ابن الأثير

243

الكامل في التاريخ

وسار عبد المؤمن منها إلى المهديّة والأسطول يحاذيه في البحر ، فوصل إليها ثامن عشر « 1 » رجب ، وكان حينئذ بالمهديّة أولاد ملوك الفرنج وأبطال الفرسان ، وقد أخلوا زويلة ، وبينها وبين المهديّة غلوة سهم ، فدخل عبد المؤمن زويلة ، وامتلأت بالعساكر والسوقة فصارت مدينة معمورة في ساعة ، ومن لم يكن له موضع من العسكر نزل بظاهرها ، وانضاف إليه من صنهاجة والعرب وأهل البلاد ما يخرج عن الإحصاء ، وأقبلوا يقاتلون المهديّة مع الأيّام ، فلا يؤثر فيها لحصانتها وقوّة سورها وضيق موضع القتال عليها ، لأنّ البحر دائر بأكثرها ، فكأنّها كفّ في البحر ، وزندها متّصل بالبرّ . وكانت الفرنج تخرج شجعانهم إلى أطراف العسكر ، فتنال منه وتعود سريعا ، فأمر عبد المؤمن أن يبنى سور من غرب المدينة يمنعهم من الخروج ، وأحاط الأسطول بها في البحر ، وركب عبد المؤمن في شيني ، ومعه الحسن ابن عليّ الّذي كان صاحبها ، وطاف بها في البحر ، فهاله ما رأى من حصانتها ، وعلم أنّها لا تفتح بقتال برّا ولا بحرا ، وليس لها إلّا المطاولة ، وقال للحسن : كيف نزلت عن مثل هذا الحصن ؟ فقال : لقلّة من يوثق به ، وعدم القوت ، وحكم القدر . فقال : صدقت ! وعاد من البحر ، وأمر بجمع الغلات والأقوات وترك القتال ، فلم يمض غير قليل حتى صار في العسكر كالجبلين من الحنطة والشعير ، فكان من يصل إلى العسكر من بعيد يقولون : متى حدثت هذه الجبال ها هنا ؟ فيقال لهم : هي حنطة وشعير ، فيعجبون من ذلك . وتمادى الحصار ، وفي مدّته أطاع سفاقس عبد المؤمن ، وكذلك مدينة طرابلس ، وجبال نفوسة ، وقصور إفريقية وما والاها ، وفتح مدينة قابس بالسيف ، وسيّر ابنه أبا محمّد عبد اللَّه في جيش ففتح بلادا ، ثمّ إنّ أهل مدينة

--> ( 1 ) . . ثاني عشر . A